حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
3
شاهنامه ( الشاهنامه )
نعم ولما جذبت السعادة بضبعى ، وطمحت بطرفى ، وطئت بساط مملكته الفسيحة ، وأدنيت من سدّته العالية مكتحلا بترابها الذي هو ذرور أعين الإقبال وعبير مفرق الجلال ، وتشرفت بالمثول في حضرة مالك الرق - خلد اللّه سلطانه - منخرطا في سلك زمرة الإخلاص ، ومنضما إلى جملة المنادين بصدق الدعاء في تلك العراص ، قدّمت برسم الخدمة الخزانة آدابه - لا زالت معمورة ببقائه - الكتاب الموسوم بشاه نامه الذي عنى بنظمه الأمير الحكيم أبو القاسم منصور بن الحسن الفردوسي ، الطوسي ، مطرزا دياجته بذكر السلطان السعيد أبى القاسم محمود بن سبكتكين - رضي اللّه عنه - ذاكرا فيه ملوك الفرس وتواريخ أيامهم ، وشارحا فيه مقاماتهم المأثورة ، ووقائعهم المشهورة ، مع وصف سيرهم الحميدة وخلالهم السديدة ، في إفاضة العدل والإحسان ، وإشاعة الأمن والأمان ، وصرف العناية إلى عمارة العالم ، وإسباغ ظلال الرأفة والرحمة على كافة الأنام . فوقع من همته العالية موقع القبول . لكنه رأى الكتاب مع ما تضمنته أطباقه من عجائب تصاريف الأدوار ، وبدائع تأثيرات الأطوار ، والحكم التي تنفتح بها عيون البصائر ، والعبر التي تتقوى بها أعضاد التجارب ، قد استبدت العجم بفوائده ، وتوشحوا بقلائده ، وتخصصوا باستماع حكاياته وأقاصيصه ، واستأثروا بالاستمتاع بحكمه وأعاجيبه . فاشرأبت همته الجوّالة في سماء المكارم وعزمته الوقادة في انتهاز فرض المآثر إلى أن نعم فوائده ، وتكثر منافعه وعوائده . فأمر مملوكه وضيعته الفتح بن علي بن محمد بن الفتح البندارى الأصبهاني أن يترجمه فيحل حكاياته المنظومة وينزع عن معاطفها أطمار اللغات العجمية ، ويفيض عليها فضفاض وشائع الألفاظ العربية ، ويكسوها رونق اللسان الذي هو أشرف الألسن ، المنزل به أفضل الكتب ، والمتناطق به خير البشر وخلصان الأمم ، والمتخاطب به أهل السعادة في قرارة المنن . فتصدّى المملوك لما ندب له امتثالا للأوامر العالية ترتعد فرائص بيانه وبنانه ، وترجف أحشاء يراعه ولسانه . لأن هذه الحضرة - لا زالت بسطة جلالها محمية من دواعي الانقباض ، ومعاقد دولتها محروسة عن يد الانتقاض - مجتمع قروم البراعة ومعرّس فحول الصناعة ، الذين إذا هدرت شقاشق أقلامهم ، وجاشت بحار خواطرهم وأفهامهم ، تلفعت فصحاء العرب بجلابيب الحياء ، وتسربلوا لباس الخجل منقمعين بين القبائل والأحياء . فكيف يضم دهمته